عبد الحي العكري الدمشقي ( ابن العماد الحنبلي )
239
شذرات الذهب في أخبار من ذهب
صار ساقيا في دولة الناصر فرج ثم انحرف إلى جهة الأميرين شيخ ونوروز وصار معهما إلى أن قتل الناصر وقدم صحبة الأمير شيخ إلى الديار المصرية وصار من جملة الأمراء بها ولا زال يترقى إلى أن صار أمير مائة مقدم ألف ثم ولي نيابة طرابلس سنة إحدى وعشرين وثمانمائة ثم عزل وقبض عليه وحبس بالمرقب ثم أفرج عنه وصار أمير مائة ومقدم ألف بدمشق ثم عاد إلى الديار المصرية صحبة الملك الظاهر ططر سنة أربع وعشرين ثم تنقلت به الأحوال إلى أن بويع بالسلطنة في ربيع الآخر سنة خمس وعشرين فساس الملك أحسن سياسة ونالته السعادة وفتحت في أيامه عدة فتوحات منها ما غوصة قبرص ثم بقية جزيرة قبرص وأسر ملكها جينوس ولم يقتل من المسلمين إلا القليل ثم عرض عليه جينوس ومن معه من الأسرى وهو يرفل في قيوده على برسباي فذرفت عيناه وأعلن بالحمد والشكر ورتب له ما يكفيه ثم أطلقه وأعاده بعد أن ضرب عليه الجزية واستمرت وكان برسباي ملكا جليلا مهابا عارفا سيوسا متواضعا حسن الخلق شهما شجاعا ذا شيبة نيرة وهيئة حسنة متجملا في حركاته حريصا على ناموس الملك لا يتعاطى شيئا من المسكرات محبا لجمع المال مكثرا من المماليك شرها في جمع الخيول والجمال وغيرها وكانت أيامه في غاية الحسن مرض في أوائل شعبان وتطاول به المرض ولما قوي عليه المرض وسط طبيبه العفيف الأسلمي رئيس الأطباء وزين الدين خضر في يوم السبت رابع شوال ولما قدم العفيف للتوسيط استسلم وثبت حتى صار قطعتين وقدم خضر فراع وجزع جزعا شديدا ودافع عن نفسه وصاح وبكى فتكاثروا عليه ووسطوه توسيطا معذبا لتلويه واضطرابه فساءت القالة في السلطان وقوى مرضه من حينئذ وابتلى بالصرع المهول إلى أن توفي قبيل عصر يوم السبت ثالث عشر ذي الحجة عن نيف وستين سنة وتسلطن بعده ولده العزيز يوسف بعهد منه وكانت مدة سلطنته